عبد الله بن أحمد النسفي

118

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 111 إلى 113 ] وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 111 ) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 112 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 113 ) 111 - والضمير في : وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى لأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، أي وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، فلفّ بين القولين ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كلّ فريق قوله ، وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كلّ واحد منهما صاحبه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهود جمع هائد كعائذ وعوذ ، ووحّد اسم كان للفظ من ، وجمع الخبر لمعناه تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ أشير بها إلى الأماني المذكورة ، وهي أمنيتهم ألّا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا ، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم ، أي تلك الأماني الباطلة أمانيّهم . والأمنية أفعولة من التمني مثل الأضحوكة قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ، وهات بمنزلة هاء بمعنى أحضر « 1 » وهو متصل بقولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، وتلك أمانيّهم اعتراض إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم . 112 - بَلى إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره وَهُوَ مُحْسِنٌ مصدق بالقرآن فَلَهُ أَجْرُهُ جواب من أسلم . وهو كلام مبتدأ متضمن لمعنى الشرط ، وبلى ردّ لقولهم عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . 113 - وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ أي على شيء يصحّ ويعتدّ به ، والواو في وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ للحال والكتاب للجنس ، أي قالوا ذلك وحالهم أنّهم من أهل العلم والتلاوة للكتب . وحقّ من حمل التوراة والإنجيل وآمن به ألا يكفر بالباقي لأنّ كلّ واحد من الكتابين مصدق

--> ( 1 ) في ( ظ ) أحصر .